إن حقاً على كل مُطَالعٍ للكتاب، أن يقف على مُفَصَّل حياة الإمام النووي، لا على مُجْمَلِهَا؛ فإنه شيخ الإسلام والمسلمين، وعُمْدةُ الفقهاءِ والمحدِّثين، الإمامُ، الزاهدُ، الوَرِعُ، العابدُ، القُدْوةُ، صاحبُ الخِصال الحميدة، والتصانيفِ المُفيدة، المُجْمَعُ على فضله وإخلاصِه، وجلالته وإمامته.
وها أنا ذا أعرض سيرةَ الإمام النووي؛ لأقف فيها على نشأته، وطلبه للعلم، وعلومه، ومواقفه، وسيرته الذاتية، وأهم مؤلفاته، وشيوخه، وتلامذته، وثناء العلماء عليه، ووفاته، وما قيل في رثائه.
وأستفتح قبلَ ذلك بذكر لمحة عن العصر الذي عاش فيه النووي، وشيء عن أسرته وبلده، والله الموفق.
1 ـ عصر الإمام النووي:
أما من الناحية السياسية، فقد عاش النووي ـ رحمه الله تعالى ـ آخرَ عصر الأيوبيين، وكلَّ عصر الملك الظاهر بيبرس من المماليك، وتمتاز هذه الفترة بنوع من الاستقرار، ولكنها كانت فترة عصيبة، فقد تظاهر فيها على غزو بلاد الشام قبلها قُوَّتا البغي والشر والكفر من الصليبيين والتَّتار، وقد تحققت فيها بلاد الشام ودمشقُ خصوصاً بالاطمئنان الحَذِرِ، والاستقرار المتحفِّز، ولكنه إذا قيس بما قبله من آخر عهود الأيوبيين، فإنه عهد ميمونٌ مبارَكٌ، لولا بعضُ الهَنَات.
وأما من الناحية العلمية، فإن هذا العصر والذي بعده ـ أي: القرنين السابع والثامن الهجريين ـ من أزهر العصور، فقد حَفَل بالكثير من العلماء المتمكنين، الذين تركوا من المؤلفات الناضجَ المفيد.
ومن أبرز هؤلاء الذين امتاز بهم القرن السابع في علوم الدين: أبو عمرو بن الصلاح إمامُ المحدّثين، والرافعيُّ كبيرُ فقهاء الشافعية في ’قزوين‘، وإسماعيلُ بن عبد الكريم المعروف بابن المعلم شيخ الحنفية في وقته، وعبد الرحمن بن محمد بن عساكر، وكان فقيهَ وقته، وعبدُ الكريم بن الحرستاني خطيبُ دمشق.
وفي علم العربية: ابن يُعَيش شارح ’المُفَصَّل‘، والشيخ ابن مالك.
وفي علوم التاريخ: ابن العديم صاحب ’تاريخ حلب‘، والقاضي ابن خَلِّكَان صاحب ’وَفَيات الأعيان‘، وياقوت الحَمَوي صاحبُ ’معجم البلدان‘، وأبو شامةَ المقدسيُّ صاحب ’الروضتين في أخبار الدولتين‘.
والكلمة الجامعة لحال هذا العصر من ناحيته العلمية أنه لم يكن عصرُ إبداع كعصور الاجتهاد، فهو بجملته عصرُ نقل متزن، وتقليدٍ واع، وجَمْعٍ في تحفُّظٍ، وتحقيق وتحريرٍ وتصحيح وتهذيب، بلْ أحياناً اجتهادٍ مُقيدٍ حُرٍّ.
والظاهرة التي لا تخفى في علماء هذا العصر أنهم ـ إلا من شذ ـ يحرصون مع علمهم على العمل، فالتقوى رداؤهم، والورع يَحدُو بهِم، وكثرة العبادة عملُهم في اليوم الليلة، وكانوا حريصين على أن تكون عباداتهم على السُنّة النبوية.
2 ـ بلده نوى:
يُنسبُ الناسُ إلى بلدٍ ما؛ ليعرَفوا به، ولكن نسبة الإمام النووي على العكس من ذلك، فقد عُرفت بلده به، بل صارت خالدةً بخلوده ما دام في الأرض إسلام، وما دام فيها فقه شافعي.